تعديل

الأحد، 12 يوليو، 2015

ملابسات اختطافي عشية الذكرى 37 لاختطاف البلاد / سيدي الطيب ولد المجتبى

ليست المرة الأولى التي يتم فيها اعتقالي في نظام الجنرال الإنقلابي ولد عبد العزيز ،، ولستُ أول معتقل ، وحتماً لن أكون الأخير ..
وهو نفس الواقع الذي أتقاسمه مع رفيقي محمد عبدو ، وكذا رفاقي الآخرين من نشطاء حركة 25  فبراير الذين ألفوا الإحتكاك بالأمن ، وألفتهم دهاليز المفوضيات وآلاعيب الشرطة السخيفة المفبركة .
لكن قصة اختطافنا الأخيرة عشية العاشر من يوليو من أمام ما يسمى بـ "قصر العدالة" هي استثناءٌ يُثير الكثير من الأسئلة المُقلقة بشأن التخبط الأمني والإنحدار الأخلاقي الذي تعيشه بلادنا في العقد الثاني من الألفية الثالثة .!
كنا في طريقنا من "قصر العدالة" متجهين إلى مبنى البرلمان ، فجأة داهمتنا سيارة مدنية ، ترجل منها أفراد بزي مدني، انقضوا عليَ ورفيقي محمد عبدو ، انهالوا علينا بالضرب ، واستخدموا القوة المفرطة حتى أرغمونا على الصعود داخل سيارتهم المدنية .
طلبنا منهم إظهار هوياتهم ، فرفضوا واكتفوا بالقول أنهم عناصر من الشرطة ، ذهبوا بنا إلى مفوضية لكصر 2 الموجودة في مستنقعات سوكوجيم ps  .
وهناك كان لنا حوار طويل وطويل ، مع المفوض عثمان الذي أطلقنا عليه لقب " وجهة نظر" لدفاعه المستميت عن المشاريع الوهمية لنظام كرتوني أوهى من بيت العنكبوت ..
بعد ساعة ونصف أطلق المفوض سراحنا ، وخرجنا من المفوضية متجهين إلى بقية الشباب الموجودين بانتظارنا أمام البرلمان .
بالقرب من المعهد العالي فاجأتنا سيارة تسير بسرعة البرق ، توقفت أمامنا ، فإذا بالمفوض نفسه ومعه عناصر من الشرطة أعادونا مرة أخرى إلى المفوضية .
بدأت الإتصالات تأتي إليه تباعاً  ، وأخذت أسئلته تأخذ منحى آخر ، كاتهامنا بالتخريب ، والسعي لزعزعة الأمن العام ..
قلنا له أن الأمن غير موجود أصلا ، وأما التخريب فهو من اختصاص المؤسسة العسكرية التي خربت كل شيئ  وعاثت فسادا في البلاد والعباد  منذ يوليو  1978 وحتى يوليو 2015 ..
في حدود الثانية والنصف بدأ التوتر الأمني وبدأت عناصر من الشرطة تصل إلى المفوضية ،  وأمر المفوض بإخراجنا إلى ردهة صغيرة في مستنقع من الباعوض والروائح النتنة،  بتنا في تلك الوضعية حتى الصباح دون أن يُغمضَ لنا جفن .
في الصباح بدأت الخيوط تتكشف لنا ، امتلأت المفوضية بالعناصر الأمنية ..
وفي حدود الساعة العاشرة صباحاً طوقتنا جماعة من الشرطة :، تقدم قائدهم وقال : "أنت سيدي الطيب ستذهب معنا ، ومحمد سيبقى هنا ! "
أجبته على الفور : إلى أين سأذهب ؟
رفض أن يجيبني ، فرفضت الاستجابة لأوامره ،،
وحين باشروا تنفيذ خطتهم بالعنف ، قاومتهم ورفعتُ صوتي عليهم بأنني مُختطف ولن أذهب إلى جهة مجهولة حتى أعرف ما هي ؟
سمع المفوض صوت احتجاجي ، فدعاني إلى مكتبه مستفسرا عن السبب ؟
فأجبته على الفور : أنا هنا مختطف من قبل هذه الميليشيا التي تقودها أنت ، ولن أذهب إلى جهة مجهولة ما لم تصرح لي بها !
فقال لي أن أنت ستذهب إلى مفوضية تيارت رقم 1  ولم تكن هذه هي أول كذبة أمنية ..!
اقتادتني عناصر من الشرطة وانطلقوا بي في سيارتهم إلى مفوضية تيارت ، وفي طريقنا إليها ، رن هاتف أحدهم بأن يحولني إلى المفوضية المركزية للأمن ، ثم رن هاتف آخر بأن يُعرج بي على إدارة الأمن ، لتأتي الأوامر النهائية في اتصال هاتفي أخير بأن يذهبوا بي إلى مفوضية "السبخة 1  ! "
وهناك فوجئت بمقبرة خرِبة لا تصلح حتى لتكون سكناً للأفاعي ..
اقتادوني إلى الطابق الثاني لأقابل المفوض ، فأمرهم بإنزالي إلى الطابق الأول مع المجرمين في وضعية غير إنسانية .
وهناك اطلعتُ على واقع الشرطة، حيث أنساني بؤسُهم ما أنا فيه من اهانة و خطف للكرامة والانسانية ...
فالظروف التي يعملون فيها هي التي جعلت منهم أشخاصاً مُرتشين و فاسدين ولا يتمتعون بأدنى حسٍ أمني ، لأن تلك هي رغبة شيوخهم الذين ينهلون وينهبون المال العام ولا اهتمام لهم سوى مضايقة المواطنين في أرزاقهم وحياتهم اليومية .
فبدلا من  استحداث جهاز " أمن الطرق" المثير للرعب والفوضى والجدل ، كان حرياً أن يدعم قطاع الشرطة بهذه الأموال الطائلة التي تم رصدها لهذا المولود اللاشرعي المدعو " التجمع العام لأمن الطرق" وما هو في حقيقته سوى التجمع العام للشواذ والمجرمين والمُغتصبين ..؟!
في مفوضية السبخة رقم 1 قضيت ما بين العاشرة صباحا وحتى الخامسة مساء في وضعية واحدة ، غير مستقرة ، ففي ما يبدو كانت الأوامر صارمة لإهانتي وإذلالي بشتى الوسائل ..
عند الساعة الخامسة اختفت من أنظاري العناصر التي كانت مداومة منذ الصباح ، وتم استبدالها بعناصر جديدة ..
بقيت وحيداً في زنزانتي ، خرج أغلبُ المجرمين بوساطات مشبوهة ,,
بعد كل نصف ساعة كنت أخرج لأحد الممرات لاستنشاق القليل من الأوكسجين ..
وفي خرجتي المسائية نهرني أحد الشرطة المداومين مساء ، وأمرني بالدخول في دولاب صغير داخل زنزانة انفرادية مُظلمة بمعزل عن العالم الخارجي ، وحين رفضت الإنصياع لأوامره استخدم العنف ضدي وحشرني في تلك الزاوية المُعتمة مع شخصين لا أدري ما هي التهمة الموجة لهما !
بدأت الدقائق والثواني تمر بطيئة، صرتُ أجد صعوبة بالغة في التنفس، وفكرتُ جدياً بأن أفطر قبل أذان المغرب بساعتين ..لكن عزائي الوحيد كان كتاب "أسس الفلسفة" الذي كان برفقتي في يوم رمضانيٍ استثنائي ..!
بعد فترة من الإحتجاز عاد إليَ الشرطي وبدأ يستجوبني فرفضت الإجابة على أي سؤال يطرحه عليّ ..
فذهب وعاد إلي مرة أخرى وقال اخرج وعد إلى مكانك ، فقلت له لن أخرج حتى يخرج معي الشخصان المحتجزان معي في هذا القفص المظلم ؟
فرفض بادئ الأمر ، ثم عاد وأخرجهما معي ، ليعود كلٌ منا إلى زنزانته البائسة الحقيرة ..
بعد صلاة المغرب ، استدعاني الشرطي المداوم إلى مكتبه لتبدأ سلسلة من التحقيقات الهزيلة ، وكانت كل الأسئلة والتهم تدور حول "السعي للتخريب" و" زعزعة الأمن العام " ..!
وكنت أرفض أن أجيب على أي سؤال ما لم يسمحوا لي باتصالين هاتفيين على رفاقي وأسرتي ، الذين لا يعلمون عني أي شيئ ..
في حدود العاشرة وصل مفوض شرطة "لكصر 2" واستأنف التحقيق بنفسه من جديد ..
وأخبرني أن رفيقي محمد عبدو موجود في مفوضية تفرغ زينه ، وأنه سيتم إطلاق سراحنا بضمان وحرية مؤقتة حتى الساعة التاسعة من يوم الاثنين .. حينها سيتقرر ما إذا كان سيتم إطلاق سراحنا أو التحفظ علينا في مفوضية "لكصر 2" أو إحالتنا لوكيل الجمهورية بتهمة السعي للتخريب وزعزعة الأمن العام ..
ملاحظة :
لا يفوتني هنا أشكر كل الذين وقفوا معنا ، وتضامنوا ،، ولهم أقول أننا لا ذنب لنا سوى أننا رفضنا هذا الواقع المُوغل في القتامة والتردي والنذالة ..
فبلادنا لن تخرج من هذه الدوامة العسكرية المقيتة ما لم ندفع ثمن تحررنا من ربقة تلك الميليشيا الظالمة الآثمة التي اختطفت السلطة منذ 37  عاما من النهب والفساد والإستبداد ..
على الشباب الموريتاني أن يُفكر بعقلية جديدة ، ويخرج من بوتقة التفكير النمطي القديم ، فالوسائل التقليدية لا تصلح لتكون أداة لتغيير واقع يزداد تعقيدا وسوءاً يوما بعد يوم ..
علينا أن نكفر بالقوانين .. تلك القوانين التي تسلب بها حريات وممتلكات المواطن المسحوق ، فيما تعفى الطبقة المتنفذة من مقتضياتها الطفل المدلل بدر ولد عبد العزيز نموجا
علينا أن نطلق حملة جديدة من أجل عصيان شتى القوانين الظالمة ، خاصة ما يتعلق منها بالأمن ..
فتلك هي الطريقة الوحيدة التي من شأنها أن تدفع بصراعنا مع المؤسسة العسكرية باتجاه الحسم ..
يسقط يسقط حكم العسكر


0 التعليقات:

إرسال تعليق