تعديل

الاثنين، 19 مايو، 2014

رسائل عابرة للنهر

على حدود الجارتين موريتانيا والسنغال تنطق الصورة بما فيه الكفاية عن واقع الشعبين الذين تربطهما من أواصر التاريخ والجغرافيا والثقافة والاقتصاد والدين ما يكفي لتحقيق وحدة واتحاد حقيقيين في وطن واحد ..
فعلى امتداد النهر السنغالي الرابط ما بين البلدين تقع عشرات القرى والمدن من كلا الجانبين ، حيث تشهد كل هذه القرى المحاذية للنهر تكاملا اقتصاديا وتبادلا تجاريا منقطع النظير بينها وبين تلك الواقعة على الضفة الأخرى من النهر ..
لكن على الرغم من كل ذلك لا يزال التوتر المزمن في العلاقات الدبلوماسية بين حكام نواكشوط ودكار يلقي بظلاله بشكل يومي على كل العابرين على متن تلك العبارة، سواء السنغاليين القادمين من بلادهم أو الموريتانيين المتجهين جنوب النهر ..
جمارك البلدين وسلطاتهما الأمنية لا يكاد يسلم من إهانتهما أي مواطن سنغالي أو موريتاني ، حيث تعامل السلطات الموريتانية المواطنين السنغاليين الوافدين إلى بلادنا بخشونة وازدراء واحتقار ، وتحايل على ما تضمه جيوبهم من فرانكات ضئيلة ، وهي المعاملة نفسها التي يتجرعها المواطن الموريتاني في الضفة الأخرى من النهر باتجاه السنغال .

النظرة الازدرائية المتبادلة بين حرس الحدود لم تأت حتما من فراغ، بل تعبر عن رغبة طرف ثالث لا يريد لهذه العلاقات البينية أن تنسجم على تعاون جاد فوق أرضية صلبة من الثقة المشتركة بين الجانبين .
وهنا ووفق كل المعطيات لا يمكن لأي اصبع اتهام إلا أن يتجه نحو الدولة الفرنسية المنظرة والمخططة والراعية الرسمية والرئيسية لتمزيق القارة الافريقية ، وخلق الخلافات الداخلية بين دولها المتجاورة .
فرنسا صنعت نموذجا صغيراً مفروغا من محتواه الافريقي وبعده الثقافي والحضاري يدعى السنغال ، وأغلب السنغاليين – مع الأسف – لم يستفيقوا لحد اللحظة من هذا الوهم الذي وضعتهم فيه  " ماما فرنسا" ذات يوم، حينما كذبت كذبتها الكبيرة بقولها أنها رحلت عن افريقيا، ومنحت للأفارقة استقلالهم التام وسيادتهم الوطنية .
ولا يدرك السنغاليون اليوم أن حكام الاليزيه يُسيرون السنغال بكل تفاصيلها ، وبكل دقة وإحكام ونظام، وهي التي تحرك كل شيئ وتقرر كل شيئ، وتدعم من تشاء وتسحب البساط من تحت من تشاء ..
وليست موريتانيا استثناء من هذه الوصاية الفرنسية المقيتة، إلا أن الفرق يعود إلا أن تسيير فرنسا للسنغال هو تسيير منظم بدقة عالية، بينما تسييرها لموريتانيا هو تسيير عبثي لا وجود فيه للدولة ولا للقانون ..
ولذلك استطاعت فرنسا خلق وتنويم ذلك العداء المزمن في العلاقات الموريتانية السنغالية التي تشهد تقلبات مناخية غير مستقرة تبعاً لمزاجية نواكشوط وغباء دكار ..

ويبقى الشعبان المنسجمان هما من يدفع ثمن هذا التوتر بشكل يومي ، سواء على الحدود أو في المصالح الإدارية داخل البلاد.