تعديل

الأربعاء، 5 مارس، 2014

مشاهداتي في الليلة الأولى: احتجاجات سلمية واجهتها القوات الأمنية بالقمع والتنكيل

فجأة رن هاتف في المنزل، يحمل خبراً صادما وقع علينا كالصاعقة..
كتاب الله وجد ممزقا بأحد مساجد مقاطعة تيارت ..
هرعنا إلى عين المكان ..لكننا لم نستطع الوصول إليه ، لأن المسيرات قد انطلقت في اتجاه معاكس لسيرنا ، مما دفع بنا للرجوع مع المسيرة ..
كانت صور المصاحف في هواتف الكثير من المتظاهرين والمتظاهرات ..
بشاعة التمزيق تنفي أي فرضية قد توحي بأن الحدث غير متعمد من طرف أشخاص أوجهات لها مآربها الخاصة .!
طفقتنا الأمواج البشرية الهادرة منطلقة من تيارت باتجاه القصر الرئاسي ..
دخلنا في الحشود ، كانت حاشدة وغاضبة ..
تعالت هتافات الجميع من كل الشرائح الاجتماعية والفئات العمرية منددة بالواقعة الكارثية ..
دموع مريرة ، وصراخ ، وعويل ، وتكبير يهز الأرجاء مع امتداد السلسلة البشرية الطويلة ..
وصلنا وزارة الداخلية في حدود الساعة 00:30 بعد منتصف الليل ..
كانت قوات الأمن حاضرة ، في جاهزية عليا واستنفار تام ..
حاولت مع بعض الأصدقاء أن ننظم الصفوف الأمامية ، ونحث الناس على السلمية وعدم رشق الحجارة ، أو فعل أي عمل قد يسيئ للقضية ، لكن في المقابل طالبنا الجميع بالصمود وعدم الفرار من وجه القوات القمعية مهما فعلت ، أو بطشت ..

بداية القمع
طالبت المتظاهرين بالجلوس على الشارع أمام بوابة الداخلية ، لأن الجلوس في وجه قوات القمع يحمل رسالتين ، الأولى هي السلمية التامة ، والثانية هي الصمود ..
وذلك هو ما كنا نتطلبه في ليلتنا الأولى تلك ..
لكن القوات الأمنية أدركت مبكراً أن مئات المتظاهرين لا يزالون في طريقهم إلى المكان ، وعندما يصلون ستكون التظاهرة كبيرة ورهيبة بحيث يصعب السيطرة عليها أو تفريقها بسهولة ..
وذلك ما دفع بالأجهزة الأمنية لأن تفجر المكان بالقنابل الصوتية والغازات المسيلة للدموع ، وتنهار على المتظاهرين بالضرب البشع والسحل في الشوارع ..
اختفت الجموع تحت وقع القمع الشرس والضرب بالهراوات ..
بقيت عجوز في الثمانين من العمر انهالت عليها شرطة مكافحة الشغب بالضرب، فحاولت أن أمنعهم ..
صرخت في وجوههم بأنهم مجرد كلاب بوليسية وليسوا آدميين.
في الناحية الأخرى من الشارع كان رفيقي في حركة 25 فبراير احمد ولد حيمودان يتعرض للضرب العنيف من قبل عدة عناصر من الشرطة  ..
كان شجاعا باسلا ، لم يستطيعوا إسكاته حتى اضطروا لاعتقاله ورميه في باص الشرطة لينطلقوا به إلى جهة مجهولة ..
بقيت أنا والسيدة العجوز المرتعدة خوفا ، خطوت بها باتجاه بوابة وزارة العدل ، لتلقط أنفاسها قليلا ..ثم أوقفت لها سيارة تطوع أصحابها بأن يحملوها إلى منزلها في تيارت ..
صرت وحيداً في الميدان ، أتأمل همجية السالك ولد الغزواني والمفتش امبودج، والشيباني، وديدي، وهم يعيثون في البلاد فسادا وبطشا وتنكيلاً ..بلا رقيب ولا حسيب ..
بدأ بعض المتظاهرين في العودة من جديد ..أفراداً ..وجماعات..
حاولت أن أطمئنهم بأن الكريموجين ليس خطيراً .. وأن أرفع من معنوياتهم لأن الإنتصار لكتاب الله يستحق منا كل الصمود والتضحية .

حوار مع أحد عناصر أمن الدولة
طوال التظاهرة الأولى ، وأثناء تنظيمي لصفوف المحتجين الغاضبين رأيت أشخاصاً بزي مدني ، كانت علامات الأمن بادية على نظراتهم ..
وفي الهدوء الأول الذي أعقب القمع تعقبتني سيارة سوداء من نوع LX ، يستقلها رجلان بزي مدني أيضا ..
ركنا سيارتهما بجانبي ، فنزل إليَ أحدهما ، فسلم عليَ بهدوء ، وطلب مني أن أجيبه عن بعض الأسئلة ..
فرفضت الإجابة ما لم يفصح لي عن هويته ..
وبعد عناد طويل أخبرني أنه من أمن الدولة ..
وقال لي بالحرف الواحد : " ما قمتم به غير مسؤول، وقد  كان بإمكانكم أن تلجأو لخيارات أخرى ، وأن تتركوا الرئيس حتى يستيقظ في الصباح..لأن الرئيس الآن يغط في سباته العميق، ولم يستيقظ إلا حينما سمع بالقنابل الصوتية .."!
دار بيني وبينه حديث طويل ، لا طائل منه ، لم يستطع إقناعي إلا بشئ واحد هو هشاشة ورداءة وتفاهة ما يسمى بجهاز أمن الدولة ..!

خطة أمنية لتأمين الجنرال وقمع المواطنين .
حينما وضعت المعركة الأولى أوزارها كانت قوات الحرس الرئاسي قد انتشرت بمدرعاتها وغلمانها الممتلئين حقدا وكراهية لهذا الوطن والمواطن .
وكان كل من رباعي القمع والتنكيل، السالك ولد الغزواني ، أمبودح، الشيباني، ديدي، ينتشرون في كل المنافذ المؤدية للرئاسة ، ابتداءً من البنك المركزي ، مروراً بفندق مركيز، والإذاعة ، والجامعة، وسلطة التنظيم ..
دامت عمليات الكر والفر ثلاث ساعات ، بين المحتجين الغاضبين وبين الأجهزة القمعية المستعدة لكل شيئ  دفاعا عن الجنرال الانقلابي المستهتر بالوطن ومقدساته ..

الخطة الأمنية البديلة :
أكاد أجزم بفشل الخيار الأمني في الليلة الأولى ، لأن حماس الشباب كان يغلي بحدة وشدة ، ..
اتسعت رقعة المناوشات ..وبدأت الإمدادات البشرية تصل من المقاطعات الأخرى التي لم يصلها الخبر إلا متأخرا ..
فاضطر الأمن للإستعانة ببعض "رجال الدعوة" العاملين في الحقل الأمني ، رغم أنهم محسوبين على بعض قوى المعارضة الراديكالية .
في ساحة بن عباس كانت عقارب الساعة في حدود الرابعة صباحا ..والجموع تحتشد في إحدى عمليات كرها ..
 نزل أولئك الدعويون من السماء ، وبدأوا يخطبون في الناس ويهدئون من أعصابهم  ويطفئون من لهيب حماسهم ..

وحينما لم ينجح هؤلاء المخبرون الدعويون في ثني الشباب عن الاحتجاج ، أمروا الجميع بأن عليهم أن يقوموا بصلاة التهجد .. حينها خارت قوى الشباب في ركوع وسجود لم يرد به أئمته وجه الله ..!

0 التعليقات:

إرسال تعليق