تعديل

الخميس، 12 ديسمبر، 2013

رسالة بيرام إلى المجتمع الدولي إثر تتويجه بجائزة الخط الأمامي للمدافعين عن حقوق الإنسان

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، 
السيد الأمين العام للأمم المتحدة، السادة ممثلو الهيئات الأممية، السادة السفراء المعتمدون لدى المنظمة، لا يسعنا إلا أن نشكر منظمة الأمم المتحدة وكافة هيئاتها على التفاتتها الكريمة إلى قضية وبؤس وآلام عشرات ملايين البشر الذين ما يزالون يَــئِنون تحت وطــْــــأة الرق.
وللأسف، فإن من ضمن الدول التي تحتضن هذه الظاهرة، إن لم تكن تباركــُها، بلادي؛ موريتانيا التي تحطم الرقم العالمي الحزين لأكبر نسبة من السكان المسترَقــّـين.
وهكذا فإن الامتياز الذي منحتموني إياه بكل إنسانية، يمثل عناية ثمينة للضحايا وبرهانا قيـّـما على التضامن مع مناضلي كل الأطياف الصامدين في وجه الحرمان من الإنسانية، والاضطهاد الديني والعرقي، والعنف ضد الجسد البشري، ومصادرة الحريات.
إن التفاتتكم هذه، خلال السنة 2013، أكثرَ من أي وقت بذلتم فيه الجهد العالمي من أجل كرامة جنسنا، تحملُ في طياتها صفــّــارة إنذار، ذات مصداقية، للحكومات الظالمة المترددة في الاعتراف بالحق الدولي للأشخاص واحترامه.
إنكم تذكــّـرون هنا بأنه، وفوق اعتبارات الدول والهيئات والهويات، يبقى الإنسانُ تجسيدا حقيقيا للقيمة المرجعية، يبقى قبسَ كل المسلكيات، بل ويبقى هدفَ كل المواثيق الاجتماعية.
اليوم، أيها الأصدقاء، جئت لأُسمِعكم شكاوى ونحيبَ أشخاص يمْـلِـكــُـهم أشخاصٌ آخرون، منذ ميلادهم، باتوا مجبرين على الأعمال الشاقة، ممنوعين من التعويض والعــُـطل والتعليم. إنهم دَوَابٌ بشرية لا تحوز أية حالة مدنية، ولا تستحق أي علاج، دأبـُـهم أن يظلوا خاضعين للعنف الجنسي والعقاب الجسدي. إنها نفس المجموعة المسترقــّـة التي ولدتُ بين أحضانها، ورفضتُ، بين ذات الأحضان، أن أترعرع. إن تجريد هؤلاء البشر من إنسانيتهم يتجاوز كل تصوراتكم.
إخوتي الأعزاء، إن لائحة ممارسات العبودية – فضلا عن الإخصاء وبيع وإعارة الأشخاص كما لو أنهم أموال عينية- تجد مسوغاتها في منظومة قوانين اللامساواة العرقية التي يمنحها مُـشـَـرّعونا وغالبيةُ الطبقة المهيمنة في موريتانيا الحصانة على اعتبارها حقيقة مقدسة. وإن أي شخص يجرَأُ على المساس بها يُــعَــرّض نفسَه للحكم بالردة. وهكذا فإن الاسلام، الذي يشكل عقيدتنا المبنية أصلا على مناهضة التجبر، حـُـوّل عن مقاصده وكــُرّس للدفاع عن التحيز العنصري. هذه الممارسات التي نذرنا أنفسنا، أنا ورفاقي، لمكافحتها بلا هوادة، تلبس، في بلادي، ثوب قانون يعلو على المعايير الدولية بما فيها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
هذه النصوص التي تقضي بعدم مساواة الأجناس، وقصور المرأة أبديا، وتــُـشـَـرّع إلحاق الضرر بحرمة الأجساد والحياة، هي وحدها المَشــْـرَب الذي يـُـسْتــَــوْحَى منه قانونـــُـنا الجنائي وينظم الأحوال الشخصية لدينا. إن كناشا من هذا القبيل، أعَدّه وسَنــّــه فقهاءٌ عاشوا ما بين القرن العاشر والسادس عشر الميلادي، داخل مجتمع استرقاقي، يظل في بلادي المُحـْــتــَــكِـر شبه التام للتقييم والتشويه، إنه المعيار المطلق، ومصدر الدراسات المشكــّــلة للأسس التي يقوم عليها تكوين قضاتِنا وضباطِ شرطتِنا القضائية وإداريينا وأئمتِنا و أشباهِ علمائِنا.
أيها السادة الموقرون، إن واجب الشهادة يملي عليّ أن أحدثكم عن مأساة مئات الأرامل والأيتام الذين رأوا أزواجهم وآباءهم وذويهم وجيرانهم يختفون خلال محاولة تطهير مُــرَوّع ألـْـــبَسَ الزنوجَ الموريتانيين ثوبَ الحداد ما بين 1986 و1991. وإن خطأ هؤلاء الوحيد يتجسد في ما نتوارثه كلنا دون أن نكون قد اخترناه أبدا: جريمة التنوع العرقي واللغوي التي، بالرغم من ذلك، أنشِئت على أساسها، وكانت الهدف لإحدى الهيئات المرموقة في الأمم المتحدة (اليونيسكو).
وكان النظام الدكتاتوري حينها يأخذ على هؤلاء أنهم ولدوا فلاّنا أو سونينكيين أو ولفيين أو بمباريين في بلد كان يطمح إلى عروبة مـُـــرّة وغاشمة. إننا -والضحايا على حد سواء- لم نزل نجري وراء الحقيقة والعدالة من أجل إعادة الأراضي المغتصبة وجبر الأعطاب المترتبة على الاغتيالات الجماعية ونشر التفاصيل.
إخوتنا الأعزاء، اليوم، وفي الوقت الذي أحدثكم فيه، يقبع داخل السجن مناضلون من منظمتنا (مبادرة انبعاث الحركة الانعتاقية- إيرا) التي كرّمتموها بتشريفكم لي بهذه الجائزة.
ولعله من المعلوم أن جــُـرْمَ هؤلاء الوحيد هو أنهم حملوا على عواتقهم واجب الدفاع عن فتاة مستعبدة استنجدت بهم. ويجدر بالذكر أن العبدة المذكورة تدعى نوره بنت أحيمد، وأنها تقدمت بشكوى ضد أسرة كانت تسترقــّـها على مدى 14 سنة. إنني أحيّي، من فوق هذا المنبر الجليل، كل المناضلين والمناضلات الذين جابوا مسافة 150 كلم، دفاعا عن نوره، عبر مسيرة احتجاجية شجاعة وسلمية.
ومعلوم أنه بالرغم من العنف المعنوي والجسدي الذي تشكله هذه الممارسة السحيقة، فإن كفاحنا ضد الرق يظل دائما سلميا ومتحضرا.
وإن مصدر إلهامنا في ذلك هم أولئك الذين ما انفكوا يشكلون مشكاة الكفاح ضد الخنوع والهوان، وأولهم ذلك الطـّـوْدُ الذي غادر عالمَــنا للتو، أخونا الأكبر وقدوتنا نلسون مانديلا.
أيها الأكارم، إنكم بهذه الجائزة تكافئون كفاحنا ضد الرق وضد بقاء أشخاص مسترقين خدمة لأشخاص آخرين. وإن طريق هذا الكفاح ما يزال طويلا، وبالتالي فمساندتكم لنا ستبقى مفيدة بغية مواصلة النضال من أجل أن يحصل العبيد والعبيد السابقون على أراضٍ صالحة للزراعة، وبغية أن تطلق الدولة الموريتانية، دون تأخير، إصلاحا زراعيا وعقاريا عادلا ومنصفا.
والحقيقة أن العبودية في موريتانيا متعددة الأشكال. فبلادنا، للأسف، معروفة بالعبودية المتوارثةِ كابرا عن كابر، تلك التي تجعل منا عبيدا بالمنشإ والمولد يملكنا أسيادُ ذوينا. بيد أنه في موريتانيا توجد أيضا كل أشكال العبودية، خاصة العبودية العصرية.
فكثيرا ما، وبشكل طبيعي جدا، يتحول الحراطين (مجتمع العبيد والعبيد السابقين) من خدمة الأسياد إلى خدمة رقباء سياديّــين.
فلم تزل حتى اليوم حقولُ المعادن وموانئ السلع ومختلف الورشات مأهولة بالعبيد السابقين الذين كثيرا ما يكونون فريسة سهلة لبعض مـُـشَـغــّــليهم من تجار الرقيق العصري. وعلى هذا الصعيد أيضا يكون عونــُـكم محل ترحاب.
لقد حررت منظمتنا، المحرومة حتى اللحظة من الترخيص، وبالرغم من حضورها الدائم إلى جانب الضحايا، علاوة على الدعم الذي تحظى به لدى المجتمع الدولي، مئات العبيد. لكن هؤلاء العبيد المحررين، في ظل غياب هيئات الاستقبال والإرشاد، ينتهي بهم الأمر إلى الرجوع إلى خدمة أسيادهم. ولعل الوقت قد حانَ كي ينشغل الضميرُ الدولي بهذا البعد.
إخوتنا في منظومة الأمم المتحدة، يسعدني أيضا أن أشير إلى الأذى والاستبداد الذيْـن يتعرض لهما الكثير من المواطنين الموريتانيين بسبب القوانين الخاصة بالإرهاب في تناقض صارخ مع المبادئ العامة للقانون: من قبيل المثول أمام القضاء، وقرينة البراءة، وفصل السلطات، وطــُـرق الطعن، ومنع التعذيب.
وهنا تجدر الإشارة إلى حالة الـ 14 معتقلا المشتبه في أنهم جهاديون والذين اختفوا من السجن المدني في نواكشوط منذ سنوات دون أن تتمكن أسرُهم ومحاموه من معرفة مصيرهم.

ومع أن نظام الهيمنة في موريتانيا يستفيد من دعم القوى الغربية، لأسباب مؤصلة قائمة على تحاشي التعصب والإرهاب الديني، فإنه يتنافس مع أكثر مفاصل المجتمع ظلامية في الدعوة للقتل والمحاكمات الصورية وشيْـطنة الديمقراطيين والمدافعين عن حقوق الانسان. وهكذا فإنه يمتلك لغتين، ويــُـظهر للعالم الحر قشرة من الحداثة لا تقوى أمام اختبار السلطة.
إننا نأمل في أن تبادر الأمم المتحدة، مع موريتانيا الرسمية، إلى القيام بخطوات صريحة ومتسقة بغية أن تقضي فيها على الدونية وحصانة العنصرية. وإننا لنطالب، في حالة عدم التعاون مع هيئات الأمم المتحدة، أن تطبق في حقها، دون تحفظ، الإجراءات الردعية المنصوصة في القانون الدولي.
يحيى القانون الدولي، وتحيى الشمولية رغم أنف النسبية الثقافية والدبلوماسية الغادرة المتمثلة في إلقاء حبل الأمور على غارب الزمن.

أشكركم.

بيرام ولد الداه ولد اعبيد
نيويورك 10 دجمبر 2013

0 التعليقات:

إرسال تعليق