تعديل

السبت، 28 ديسمبر، 2013

حديث في الثقافة: المثقف.. ومحاباة الواقع (التدوينة 1)

من أنا لأقول لكم ما أقول لكم ..!
أنا المتلقي لما تكتبون وما تنتجون ،
أنا المتألم المعدم الذي لا يملك ما يشتري به حبة الأسبرين ؟
أنا الجائع الذي لم يقضم قطعة خبز منذ عدة صباحات شتائية ..
أنا المتلهف لكل جديدكم المفيد واللا مفيد من الأدب والثقافة والفن،  لعل وعسى أتذوق طعم الخبز في نص شعري أو أستنشق شربة ماء في صورة زيتية لريشة فنان ..
فمن صرخة العالم الرباني "نيتشه" لأصحاب الفن بأن على " الفنان أن لا يحابي الواقع " وحتى صيحة الإمام نزار قباني قدس الله سره:
كل شعر معاصر ليس فيه ... غضب العصر نملة عرجاء
والذائقة الأدبية الموريتانية، بصفة خاصة، تبحث عن الخبز والماء وأقراص الأسبرين في ما تجود به قرائح الشعراء والفنانين والمبدعين .
لما يقف مثقفونا موقف الحياد والتفرج على مجتمع بدائي تحكمه القبيلة والعشيرة وتسوده سياسة القطيع وشريعة الراعي الوصيّ ؟
هل دور المثقف يقتصر على مجرد تصوير ومحاكاة وتقليد هذا المجتمع المتخلف المريض بسلوكيات بني حمدان وبني ذبيان ..؟!
أين الفكر الحر ، والثقافة الحرة الحالمة ..
ألا تتجاوز مهمة المثقف كل هذه الأدوار السلبية الصامتة المنبطحة تحت خيَّمِ وعمائم شيوخ العشائر والقبائل ..؟
أليست محاباة المثقف للمجتمع جريمة بحق هذا المجتمع المُغيب والمُجَهَّلْ ، والذي يسهم هذا المثقف نفسه في المزيد من تغييبه وتجهيله من خلال صمته وموقفه المحابي الجبان الغير قادر على مجابهته بالفكر التنويري ؟
لما يحرص مثقفونا على تقمص أدوار ومهام السلطة السياسية التي تبرر محاباتها للمجتمع بالخوف من إثارة النعرات والقلاقل داخل هذه الكهوف الرافضة لضوء الشمس ومسارب الحياة؟
هل على الطبيب أن لا يخز جسد المريض بإبرته الطبية ليداويه بحجة أن تلك الوخزة تؤلم جسد المريض ، فأيهما أولى ، ألم عابر أم حياة يتهددها الخطر ؟!
لماذا تغيب العلاقة بين الفنون الأدبية في بلادنا والحياة الاجتماعية البائسة التي من المفترض أن تكون هي الملهم الأول في أي نمط فكري أو حالة إبداعية ؟
أين المثقف ؟ بل من المثقف ؟
هل الثقافة برواز يُعلق في الصالونات وغرف الجنس أم هي موقف اتجاه الظروف المحدقة والمحيطة ؟
أين هي الرواية الموريتانية التي تنافس الأعمال العالمية لقصة الأب الذي ذبح أطفاله الأربعة صبيحة عيد الأضحى لأنه ظروفه المادية عاجزة عن توفير ملابس العيد لهم ..؟
وأين القصيدة الحرة الصادحة بمأساة عمال المناجم المعدنية الذين يموتون تحت بطش الشركات العابرة للقارات ..؟
وأين الرسام الموريتاني الذي يبدع صورة تراجيدية لحادثة احتراق الطائرة العسكرية في مدرج مطار نواكشوط منافسا في ذلك صورة غرنيكا التي رسمها بيكاسو مصورا خراب المدينة على يد الفاشيين ، ؟!
أرضيتنا خصبة للإبداع ، لكن القائمين في بلادي على الأدب والثقافة والتراث هم أكبر عدو ومحارب ومناهض ورافض لهذا الإبداع ..
فالطوابير الأولى من كبار المثقفين هم صنيعة وزارات الثقافة ، وهم ضالعون في الكثير ملفات الفساد والرشاوى ، مما يجعلهم غير مؤهلين أخلاقيا أو حتى إنسانيا لأن يتحملوا أو يتألموا لواقع هذا الشعب المنكوب بمثقفيه قبل ساسته ..
أين المثقف الذي تطالعنا صوره وأخيلته الأدبية على مشارف مدينة نواذيبو النائمة على الفساد ، وعلى ضفاف النهر السنغالي المجاور لمدن الضفة العائمة تحت النسيان والتخلف والتهميش .؟

أين الشعراء الذين يتغنون بأمجاد الجندي المجهول وآلاف المتقاعدين من قواتنا المسلحة الذين لهم الفضل في حفظ أمننا والحفاظ على وجودنا في مرحلة حساسة من تاريخنا المثقوب ..؟!
ــــــــــــــــــــــــــــــــ 
سيدي الطيب ولد المجتبى
رئيس جمعية المرابطين للأصالة والإبداع

0 التعليقات:

إرسال تعليق