تعديل

الخميس، 15 نوفمبر 2012

لا للوصاية ، نعم للشراكة : موريتانيا للموريتانيين


(مشاركة في حملة "لا للوصاية ، نعم للشراكة" التي أطلقتها حركة 25 فبراير ضد التدخل الفرنسي في الشأن الموريتاني )
---

ما أتعسها من حظوظ عاثرة تلك التي مرت بها بلادي عبر مسيرة طويلة من الخداع والتآمر..
 فقبل خمس عقود من الزمن كانت فرنسا ..وبعد خمس عقود لا تزال فرنسا ..
حاكمة مستبدة متنفذة في كل صغيرة وكبيرة في بلادنا ..رغم استقلالنا منذ عام 1960 .
فبأي ذنب تريد فرنسا أن تظل حاجبة لنور الشمس ومانعة لأشعة الحرية عن وطن وشعب يستحق أن يعيش بكل حرية واستقلالية..؟!
ففرنسا لم تنسحب عندما منحتنا "ورقة الإستقلال" من مشهدنا السياسي ، ولم تسحب ذيولها ولا ظلالها من أجهزتنا الأمنية والوطنية .
بل ظلت هنا لبعض الوقت مستبقية بعض جنودها الذي يديرون دفة الحكم بكل مباشرة ، ولعل ذلك ما دفع بجيش التحرير الوطني لمواصلة نضاله المسلح حتى عام 1965 بعد انسحاب آخر جندي فرنسي من موريتانيا فكانت تلك إشارة لانتهاء الإنتداب العسكري .
لتأتي بعد ذلك مرحلة النضال السياسي السلمي التي خاضها الشباب الموريتاني في نهاية الستينيات عندما رفع شعاره المطالب بمراجعة جميع الاتفاقيات التي تربط بلادنا مع الدولة الفرنسية .
وهو ما تكللت جهوده بالنجاح عندما تم إنشاء العملة الوطنية وتأميم شركة ميفرما فكانت تلك أولى مظاهر التحرر من الوصاية الإقتصادية في بداية السبيعينيات.
ورغم كل ذلك النضال وكل تلك المكاسب التي تحققت جزئيا في سبيل التحرر من الوصاية الفرنسية ، إلا أن فرنسا ظلت متغلغلة في كياننا من حيث ندري ولا ندري ، ولعل شهادة مدير أمن فرنسي سابق في مذكراته الصادرة 1978 كانت صريحة بما فيه الكفاية حيث قال بالحرف الواحد : " هناك دول نحتاج لفتح الطرود الواردة منها ، إلا أن هناك دول أخرى لا نحتاج لفتح طرودها لأنه لدينا من المخبرين فيها من يقدموا لنا من المعلومات ما يغني عن فتح طرودها مثل موريتانيا .." .

تجليات النفوذ الفرنسي على المستوى السياسي :

من نافلة القول أن نقول أنه ما من انقلاب عسكري وقع في بلادنا إلا ولـ"افرانس آفريك" صلة مباشرة أو غير مباشرة به ..
فتارة تدبر عن بعد وأحيانا تكشف عن وجهها بكل وقاحة مثل ما فعل "لا كاز" قائد أركان القوات الفرنسية خلال زيارته لموريتانيا في دجمبر 1984 عندما أرغم الرئيس محمد خونه ولد هيداله على حضور قمة "فرانس آفريك" في بوجمبورا ..لتتم الإطاحة به في غضون ساعات مستبدلة إياه بربيبها الجديد معاوية ولد سيد احمد الطايع ..
معاوية الذي عرفت فترة حكمه الطويلة مدا وجزرا في العلاقات الفرنسية الموريتانية المبنية على الوصاية والتبعية والتي كان ولد الطائع خافضا جناحه لتلك قبل أن تتقلب مواقفه إثر الدعم الفرنسي للسنغال خلال أزمة 1989 ليرد الرجل بمواقف هي الأكثر جرأة في تاريخ العلاقات حيث قام بطرد الخبراء الفرنسيين في بلادنا وأتبعه بفرض التأشرة على مواطني فرنسا.
ولعل السر في تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني هو رغبة ولد الطائع أن يضرب فرنسا من خلال تقربه من الولايات المتحدة عبر البوابة الصهيونية .
رغم أن كل هذا التوتر لم يؤثر بشكل كبير على نفوذ فرنسا الإستخباراتي والسياسي ، والذي لولاه لما تمت الموافقة على انقلاب 2005 الذي كان الاليزيه أول المبادرين لدعمه ومباركته .
وليس انقلاب الجنرال محمد ولد عبد العزيز وعصابته المتمردة صبيحة الـسادس من أغسطس عام 2008 إلا مثالا حيا وصارخا للدور القذر والسيئ الذي تلعبه " فرانس آفريك " في إفريقيا وفي بلادنا بصفة خاصة ..
فبأي عقل نصدق أن دولة مثل فرنسا مهد الثورة الأوروبية تدعم انقلابيا متمردا رفع سلاحه ضد الدستور والقانون ..؟
كيف لفرنسا أن تهتم بمصالحها الخاصة فقط على حساب مصالح شعب يطمح للعيش الكريم في دولة قانون تسودها العدالة الاجتماعية .
فحتى هذه اللحظة لم يفهم الشعب الموريتاني ولم يتفهم السبب وراء مشاركة فرنسا في إجهاض ديمقراطية وليدة في دولة عانت واكتوت بنار الظلم والاستبداد..؟!
فرنسا قبل الستين لم تترك لنا قوانينا فعالة ولا مؤسسات قائمة ، وفرنسا بعد الستين لم تترك لنا خيارا ولا قرارا نحدد به مصيرنا بأنفسنا ..

تجليات النفوذ الفرنسي على الساحة الثقافية :

في دولة ينص دستورها على أن اللغة الرسمية هي اللغة العربية تحتل اللغة الفرنسية مكانا خاصا في قلوب النخبة السياسية والثقافية ..إذ باتت من أقدس المقدسات التي تنافح عنها وتكافح شخصيات سامية في الدولة ..
وهو ما انعكس سلبا على مناهجنا الدراسية من خلال " فرنستها " تارة وازدواجيتها تارة أخرى ..
وهو ما يظهر بكل جلاء ووضوح في الثقافة الفرانكفونية التي تكتسح المشهد الإعلامي الرسمي بكل أبعاده وتفاصيله ، بدءا بالمراسلات الإدارية التي يتم أغلبها باللغة الفرنسية ، ومرورا بالصحف الصادرة بذات اللغة والتي تعتبر أكثر رواجا من تلك الناطقة بلغة الدستور..وانتهاء بشرخ ثقافي كبير خلقته أزمة لغة بين فئات من الشعب ..زين لبعضها أن اللغة العربية تمثل انتماء للمحيط العربي على حساب الإفريقي، وزين لبعضها الآخر أن اللغة الفرنسية هي الضمان الوحيد لبقاء موريتانيا في عمقها الإفريقي ..وقد تناسى الطرفان أن اللغة الفرنسية في نهايتها هي لغة مستعمر دمر القارة السمراء وأهلك حرثها ونسلها..وحولها إلى هشيم و جحيم.
فلا يخفى على أحد ما تقوم به فرنسا من خلال منظماتها الفرانكفونية سواء منها ذات الطابع الإنساني أو الثقافي من سعي حثيث لتمزيق وحدتنا الوطنية وسلمنا الأهلي وأمننا الاجتماعي .

رسالة الشباب الموريتاني اليوم إلى فرنسا :

أسجل هنا ترحيب الشباب الموريتاني وإشادته بقرار الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند خلال زيارته الأخيرة للسنغال حينما أعلن إلغاء " فرانس آفريك " ، ولكننا نتطلع إلى ترجمة هذا القرار الذي يمثل اعترافا بكل الممارسات السيئة والانتهاكات التي كانت ترتكبها الدولة الفرنسية في حق شعوب القارة السمراء،  نتطلع إلى تفعيل هذا القرار بشكل ملموس ومحسوس ..
ونقول لفرنسا أنه رغم الماضي الاستعماري البغيض ورغم مسيرة حافلة من الوصاية والتدخل في الشأن الداخلي وعدم الاحترام ، فإننا نتطلع إلى مستقبل أفضل مبني على شراكة حقيقية ومتكافئة ويدع حدا للوصاية التي أثقلت كواهلنا وأنهكتنا بالظلم السياسي .
نريد علاقات مبنية على احترام للسيادة تماما كالعلاقات الفرنسية مع باقي دول المغرب العربي .
نحترم جميع المصالح الفرنسية ما لم تكن ضد استقرار بلادنا ونقدر مواقفها ما لم تمس من سيادتنا الوطنية .

0 التعليقات:

إرسال تعليق