تعديل

الأربعاء، 13 يونيو 2012

تقرير النقيب حول العدالة - يونيو 2012 "المأزق المؤسسي في موريتانيا"


بسم الله الرحمن الرحيم
تقرير النقيب حول العدالة - يونيو 2012
"المأزق المؤسسي في موريتانيا"
إن المأزق الذي توجد فيه المؤسسة القضائية يتجلى في عدة أمور منها العزل التعسفي للقاضي محمد الأمين ولد المختار بعد حكمه بالبراءة، ومنها فرض القضاة على الانتساب إلى جمعية منشأة من قبل وزير العدل، وغيرها كثير.
ينضاف إلى ذلك فراغ تشريعي منذ عدة أشهر يقع فيه برلمان انتهت مأموريته المحددة بخمس سنوات حسب المقتضيات الدستورية (المادة 47 من الدستور) والتنظيمية (الأمر القانوني رقم 028-91)، بالرغم من اللجوء إلى رأي المجلس الدستوري في شأن لا يدخل ضمن اختصاصاته.
وهنا يمكن القول إن مؤسسات الجمهورية معطلة منذ بعض الوقت.
وبدون شك، فإن ما حصل أخيرا أظهر المسافة الحقيقية الواقعة بين دولتنا ودولة القانون، ويتعلق الأمر بإقالة رئيس المحكمة العليا التي وقعت قبل أسابيع، وهو حدث، قد يعتبره البعض، أمرا عاديا إلا أنه يحمل دلالات وأبعادا عميقة.
قد يقول قائل إن الأمر ليس جديدا، فهذه هي المرة الثالثة التي يتعرض فيها رئيس المحكمة العليا لنفس المصير في ظل هذا النظام.
ومهما يكن، فإن الأمر يتعلق بانتهاك صارخ وخطير للقانون والمبادئ الدستورية التي تضمن استقلالية العدالة ومبدأ فصل السلطات.
ذلك أن المادة 15 من القانون المتعلق بالتنظيم القضائي تنص على أنه : » تطبق على رئيس المحكمة العليا وبقوة القانون طيلة ممارسته لوظائفه مقتضيات النظام الأساسي للقضاة المتعلقة بعدم القابلية للعزل وبالاستقلال وحرية القرار والتعارض الوظيفي وارتداء زي القضاة أثناء الجلسات، وتلك المتعلقة بالواجبات المفروضة على القاضي. « كما أن مقتضيات المادة 8 من النظام الأساسي للقضاء واضحة، وهي تنص على أن: » القضاة الجالسين لا يمكن عزلهم، وليس بالإمكان تحويلهم إلا على أساس طلب منهم أو بسبب عقوبة تأديبية أو بناء على ضرورة العمل« . يؤسفني كثيرا أنه خلال الأسابيع الماضية تجرأ حقوقيون على الدفاع عما ليس بالإمكان الدفاع عنه، عند ما ذهبوا إلى أنه يمكن إقالة قاض ورئيس محكمة عليا بقرار من "القائد".
والأغرب من ذلك كله، أن من بين المدافعين عن هذه الأطروحة يوجد محامون (وزراء، نواب)، وهو ما حدا بي إلى التفكير جديا، بصفتي نقيبا، إلى أن أوبخهم لإساءتهم لمهنتنا.
إن التقليل من شأن إقالة قاض من قبل رجال القانون، وخاصة المحامين منهم يعتبر بمثابة نكران للذات.
في 27 مايو الأخير، أنهى رئيس الجمهورية مهام رئيس المحكمة العليا من خلال إجراء بسيط ينم عن غياب فصل السلطات في البلد.
أريد ابتداء، أن أذكر أن خطورة التصرف لا يمكن أن تخفف منها الاستقالة المتأخرة والواردة تحت الضغط - بدون شك - لرئيس المحكمة العليا.
إن الشروع الأولي في إنشاء دولة القانون يمر من خلال الفصل الحقيقي للسلطات.
إن مبدأ عدم قابلية القاضي للتحويل ليس سوى ضمانة أساسية، وهو يشكل الفارق بين القاضي والموظف العادي.
وهذا ما تجسده بقوة المادة 177 من الدستور الفرنسي، والمادة 9 من المرسوم الصادر بتاريخ 22 أغشت 1995، التي هي مصدر قانوننا.
فالمادة 177 من الدستور الفرنسي تنص على أن :» قضاة محكمة النقض، وقضاة محاكم الاستئناف، ومحاكم الدرجة الأولى غير قابلين للعزل، ولا يمكن إقالتهم إلا بعد ارتكابهم لتجاوزات معلنة بطريقة قانونية، كما أن تعليقهم مرهون بصدور إدانات في حقهم، ولا يمكن تحويلهم من جديد بدون رضاهم، ولو في حالة ترقيتهم، وليس بالإمكان إنهاء خدماتهم خلال مأموريتهم إلا في حالة التأكد من عجزهم البدني أو العقلي الدائم « .
تعتبر هذه المادة هي مصدر المقتضيات الدستورية المتعلقة بعدم قابلية القضاة للعزل.
أريد أن أقول لحاكمينا، الذين لم يأخذوا دروسا في القانون، وأقول لمستشاريهم القانونيين الذين أصيبوا بداء نكران الذات عندما تعاملوا مع القوانين والمبادئ القانونية حسب رغبة "القائد": إن عدم قابلية القضاة للعزل، قاعدة تهدف إلى منع أي محاولة للضغط على القضاة عن طريق تغيير أماكن عملهم.
وهي تعتبر بمثابة ضمانة لهؤلاء في وجه التعسف المحتمل من قبل السلطة التنفيذية، ومكرسة على الخصوص من أجل الوقوف في وجه سلطة تعيين وتسيير القضاة من قبل الجهاز التنفيذي.
وهذا لا يعني أنها تحول دون تسليط عقوبة معينة على القاضي، فمبدأ عدم قابلية هذا الأخير للعزل، لا تمنع معاقبته تأديبيا، وإنزال عقوبة عليه حسب شروط معينة.
إن إقالة رئيس المحكمة العليا تعتبر أمرا مأساويا في دولة القانون، ولكن قدرنا نحن الموريتانيين أكثر مأساوية، فنحن محكومون من قبل أشخاص لا يفقهون كثيرا في القانون، ويعتمدون على مستشارين لا قيود لهم.
إن عدم قابلية القضاة للعزل تعتبر ضمانة لاستقلال القضاة، وتقوم على أبعاد ثلاثة، وهي الاستقلالية الدستورية، والاستقلالية الوظيفية والاستقلالية المؤسسية.
إن الأمر جلل ويدل على أننا لسنا في دولة قانون، كما يدل على أن المواطنين غير أحرار في دولتهم.
وكتأصيل قانوني لمبدأ فصل السلطات، يقول مونتسكيو في كتابه "روح القوانين" أنه:
» لا توجد حرية إذا لم يتم فصل سلطة القضاء عن سلطة التشريع والتنفيذ« .
فإذا كانت السلطة القضائية مرتبطة بالسلطة التشريعية فسيكون القاضي بمثابة مشرع، مما يترتب عنه تعسف في حياة المواطنين وحرياتهم.
أما إذا كانت السلطة القضائية مرتبطة بالسلطة التنفيذية، فيكون القاضي بمثابة المستبد.
وفي الختام، فإن إقالة رئيس المحكمة العليا تدل على أننا لسنا في دولة قانون.
وعليه، فإن مبادرة الهيئة الوطنية للمحامين من أجل استعادة دولة القانون، جاءت في الوقت المناسب في بلد بحاجة ماسة إليها حتى لا يغرق في تعسف قاتل، ناتج عن تكريس جميع السلطات في أيدي شخص واحد محاط بمستشارين متميزين بسوء الاستشارة في الحالات النادرة التي يلجأ إليهم.

انواكشوط بتاريخ 13/06/2012
احمد سالم بوحبيني
نقيب الهيئة الوطنية للمحامين

0 التعليقات:

إرسال تعليق